ابن قيم الجوزية

43

هداية الحيارى في أجوبة اليهود والنصارى

منعه من اتباعه ملكه وان عباد الصليب لا يتركون عبادة الصليب ، ونحن نسوق حديثه وقصته ، قال الواقدي كتب إليه رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم : « بسم اللّه الرحمن الرحيم ، من محمد بن عبد اللّه إلى المقوقس عظيم القبط ، سلام على من اتبع الهدى ، اما بعد فاني أدعوك بداعية الاسلام ، اسلم تسلم ، اسلم يؤتك اللّه أجرك مرتين ، فان توليت فان عليك اثم القبط يا أَهْلَ الْكِتابِ تَعالَوْا إِلى كَلِمَةٍ سَواءٍ بَيْنَنا وَبَيْنَكُمْ أَلَّا نَعْبُدَ إِلَّا اللَّهَ وَلا نُشْرِكَ بِهِ شَيْئاً وَلا يَتَّخِذَ بَعْضُنا بَعْضاً أَرْباباً مِنْ دُونِ اللَّهِ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَقُولُوا اشْهَدُوا بِأَنَّا مُسْلِمُونَ [ آل عمران : 64 ] وختم الكتاب ، فخرج به حاطب حتى قدم عليه الإسكندرية ، فانتهى إلى حاجبه فلم يلبثه ان أوصل إليه كتاب رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ، وقال حاطب للمقوقس لما لقيه إنه قد كان قبلك رجل يزعم أنه الرب الأعلى فَأَخَذَهُ اللَّهُ نَكالَ الْآخِرَةِ وَالْأُولى [ آل عمران : 64 ] فانتقم به ثم انتقم منه ، فاعتبر بغيرك ولا يعتبر بك غيرك ، قال : هات ، قال إن لنا دينا لن ندعه إلا لما هو خير منه وهو الاسلام الكافي به اللّه فقد ما سواه ، ان هذا النبي دعا الناس فكان أشدهم عليه قريش واعداهم له يهود وأقربهم منه النصارى ، ولعمري ما بشارة موسى بعيسى الا كبشارة عيسى بمحمد ، وما دعاؤنا إياك إلى القرآن إلا كدعائك أهل التوراة إلى الإنجيل ، وكل نبي أدرك قوما فهم من أمته ، فالحق عليهم ان يطيعوه ، فأنت ممن أدرك هذا النبي ، ولسنا ننهاك عن دين المسيح ولكنا نأمرك به ، فقال المقوقس : إني قد نظرت في أمر هذا النبي فرأيته لا يأمر بمزهود به ولا ينهى عن مرغوب عنه ، أجده بالساحر الضال ولا الكاهن الكاذب ، ووجدت معه آلة النبوة من اخراج والاخبار بالنجوى ، ووصف لحاطب أشياء من صفة النبي صلى اللّه عليه وسلم ، وقال : القبط لا يطاوعونني في اتباعه ، ولا أحب ان تعلم بمحاورتي إياك ، وانا اضن بملكي ان أفارقه ، وسيظهر على بلادي وينزل بساحتي هذه أصحابه من بعده ، فارجع إلى صاحبك ، وأخذ كتاب النبي صلى اللّه عليه وسلم فجعله في حق من عاج وختم عليه ودفعه إلى جارية له ، ثم دعا كاتبا له يكتب بالعربية ، فكتب : « بسم اللّه الرحمن الرحيم ، لمحمد بن عبد اللّه ، من المقوقس عظيم القبط ، سلام عليك ، أما بعد فقد قرأ كتابك وفهمت ما ذكرت فيه ، وما تدعوا إليه وقد علمت أن نبيا بقي ، وكنت أظن انه يخرج بالشام ، وقد